علي بن مهدي الطبري المامطيري
216
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه ليصير أحيانا من خشية اللّه حتّى لا يشعر بما على ظهره ، وقد وكّل اللّه به سبعين ألف ملك ، جناح كلّ ملك مثل الدنيا سبع مرّات ، يسبّحون معه ، ويحفظونه أن لا يزول ولا يزيل ولا يضطرب ، حتّى إذا كانت الزلزلة الكبرى أوحى اللّه إليه أن اغضب لربّك غضبة ، وزلزل بما على ظهرك ، فيضطرب بقوّته ، فيرمي الذي على ظهره ، ويرجع الثور عن مستقرّ قراره ، ويضرب البحار بعضها ببعض ، فيموت ثلث أهل البحار فرقا من شدّة ذلك التهويل ، ويفعل بالأرض فعلها ، وإنّها تكون على الأشرار ، ومن قد نسي ذكر الجبّار ، ولا يذكر يوم الوعد والوعيد في دار القرار ، ولا يخاف من ذكر النار . ألا فاعتبروا وارتدعوا وبادروا إلى التوبة ، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن عادت مثلها وأنا بين أظهركم ، لأهربنّ على وجهي ، ثمّ لا تروني ، ليس للمؤمنين بين الظالمين مستقرّ ولا قرار ، إنّ ربّكم جلّ جلاله استعتبكم ، فانظروا ماذا تردون عليه » . ثمّ نزل أمير المؤمنين ، ودخل بيته ، فبكى بكاء ، [ و ] عرف الحزن في وجهه حولا ، كلّما ذكر ذلك ارتعد وانتفض كما ينتفض صاحب الحمّى النافض ، وبقي حولا لا يغتسل من نسائه ولا ينام ليلا ، وكان يردّد هذه الآية من أوّل ليلته إلى الصباح : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 1 - 12 « 1 » ، وكان يقول : لا أجد لهذه الزلزلة شيئا أفضل من الصلاة والصدقة ؛ لأنّ اللّه يقول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى « 2 » » ثمّ قال : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له » .
--> ( 1 ) . المائدة : 118 . ( 2 ) . الأعلى : 14 و 15 .